ابن أبي الحديد
276
شرح نهج البلاغة
شديدا وقلب القتلى ظهرا لبطن ، فلم يقدر عليه ، فساءه ذلك ، وجعل يقول : والله ما كذبت ، ولا كذبت ، اطلبوا الرجل ، وإنه لفي القوم ، فلم يزل يتطلبه حتى وجده ، وهو رجل مخدج اليد ، كأنها ثدي في صدره . وروى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، قال : لما شجرهم علي ( ع ) بالرماح ، قال : اطلبوا ذا الثدية ، فطلبوه طلبا شديدا ، حتى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى ، فأتى به ، وإذا رجل على ثديه مثل سبلات ( 1 ) السنور ، فكبر علي ( ع ) ، وكبر الناس معه سرورا بذلك . وروى أيضا عن مسلم الضبي عن حبة العرني ، قال : كان رجلا أسود منتن الريح ، له ثدي كثدي المرأة ، إذا مدت كانت بطول اليد الأخرى ، وإذا تركت اجتمعت وتقلصت وصارت كثدي المرأة ، عليها شعرات مثل شوارب الهرة فلما وجدوه قطعوا يده ، ونصبوها على رمح ، ثم جعل علي ( ع ) ينادى : صدق الله وبلغ رسوله ، لم يزل يقول ذلك هو وأصحابه بعد العصر ، إلى أن غربت الشمس أو كادت . وروى ابن ديزيل أيضا ، قال : لما عيل ( 2 ) صبر علي ( ع ) في طلب المخدج ، قال : ائتوني ببغلة رسول الله ( ص ) ، فركبها واتبعه الناس ، فرأى القتلى ، ويقول : اقلبوا ، فيقلبون قتيلا عن قتيل ، حتى استخرجوه ، فسجد علي ( ع ) . وروى كثير من الناس أنه لما دعا بالبغلة ليركبها ، قال : ائتوني بها ، فإنها هادية فوقفت به على المخدج ، فأخرجه من تحت قتلى كثيرين . وروى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن رويم ، قال : قال علي ( ع )
--> ( 1 ) السبلة : ما على الشارب من الشعر وجمعه سبلات ( 2 ) عيل صبره : أعوزه الصبر